ابراهيم بن عمر البقاعي

22

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وجل وخفي وبدا ، ومن حكيمه وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره ؛ وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام ففاءت من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلا ، وما أهوى به من علو إلى سفل كان إنزالا ، وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط ؛ وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن ، وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل . آخر آية أنزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 281 ] قال صلّى اللّه عليه وسلّم في مضمون قوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : 17 ] : « اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها » « 1 » لأنه ربما تقدم كيان الآية وتأخر في النظم قرآنها على ما تقدم عليها ، آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ [ الأحزاب : 50 ] الآية متأخرة الكيان متقدمة القرآن على آية لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [ الأحزاب : 52 ] فقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق وقد لا يتطابق واللّه يتولى إقامتهما ؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم القرآن إلى القرآن بمنزلة نسبة جمعه في قلبه لمحا واحدا إلى أم القرآن وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] فهو جمع في قلبه ، وقرآن على لسانه ، وبيان في أخلاقه وأفعاله ، وجملة في صدره ، وتنزيل في تلاوته ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] قال اللّه تعالى : كذلك . أي كذلك أنزلناه ، إلا ما هو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [ الدخان : 3 ] أي إلى سماء الدنيا وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [ الإسراء : 106 ] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة ، وقال في تفسيره : القرآن باطن وظاهره محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : كان خلقه القرآن ، فمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم صورة باطن سورة القرآن ، فالقرآن باطنه وهو ظاهره نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 194 ] . وقال في تفسير الفاتحة : وكانت سورة الفاتحة أمّا للقرآن ، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها ، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى ، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها ، والآيات الثلاث الأخر من قوله : اهْدِنَا شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الأصول إلى اللّه والتحيز إلى رحمة اللّه والانقطاع دون ذلك ، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه ،

--> ( 1 ) لم يذكره السيوطي في الدر المنثور ، ولا الطبري ، ولا ابن كثير ولا غيرهم معنى يفسر بالأثر فاللّه أعلم .